ابن الجوزي

15

زاد المسير في علم التفسير

ومثله : ( من كل باب . سلام عليكم ) والمعنى : يقولون : سلام عليكم . والألف لفظها الاستفهام ، ومعناها التقرير والتوبيخ . فإن قلنا : إنهم جميع الكفار ، فإنهم آمنوا يوم الميثاق ، ثم كفروا ، وإن قلنا : إنهم الحرورية ، وأهل البدع ، فكفرهم بعد إيمانهم : مفارقة الجماعة في الاعتقاد ، وإن قلنا : اليهود ، فإنهم آمنوا بالنبي قبل مبعثه ، ثم كفروا بعد ظهوره ، وإن قلنا : المنافقون ، فإنهم قالوا بألسنتهم ، وأنكروا بقلوبهم . قوله [ تعالى ] : ( فذوقوا العذاب ) أصل الذوق إنما يكون بالفم ، وهذا استعارة منه ، فكأنهم جعلوا ما يتعرف ويعرف مذوقا على وجه التشبيه بالذي يعرف عند التطعم ، تقول العرب : قد ذقت من إكرام فلان ما يرغبني في قصده ، يعنون : عرفت ، ويقولون ذق الفرس ، فاعرف ما عنده . قال تميم بن مقبل : أو كاهتزاز رديني تذاوقه * أيدي التجار فزادوا متنه لينا وقال الآخر : وإن الله ذاق حلوم قيس * فلما راء خفتها قلاها يعنون بالذوق : العلم . وفي كتاب الخليل : كل ما نزل بإنسان من مكروه ، فقد ذاقه . وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ( 107 ) قوله [ تعالى ] : ( وأما الذين ابيضت وجوههم ) قال ابن عباس : هم المؤمنون . ورحمة الله : جنته ، قال ابن قتيبة : وسمى الجنة رحمة ، لأن دخولهم إياها كان برحمته . وقال الزجاج : معناه : في ثواب رحمته ، قال : وأعاد ذكر " فيها " توكيدا . تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ( 108 ) قوله [ تعالى ] : ( وما الله يريد ظلما للعالمين ) قال بعضهم : معناه : لا يعاقبهم بلا جرم . وقال الزجاج : أعلمنا أنه يعذب من عذبه باستحقاق . ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور ( 109 ) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ( 110 )